alamah-logo
المدونة
ديسمبر 18

بين عمرو بن كلثوم وأوباما

[kalthom3.jpg]

لنا الدنيا ومن أمسى عليها
ونبطش حين نبطش قادرينا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً
ويشرب غيرنا كدراً وطينا
عمرو بن كلثومبحثت كثيرا عن خبر أو بيان صحفي لأي مؤسسة حكومية أو خاصة بقوة هذه الأبيات فلم أجد، أليست هذه أنجح وسيلة إعلامية اتخذها شاعر قبيلة تغلب الأول ليسوق لقبيلته، ويرفع مكانتها ليس في الجاهلية فحسب بل حتى هذا العصر. من ينكر أن عمرو بن كلثوم رجل علاقات عامة من الطراز الأول؟! حتى أن شاعرا آخر من قبيلة بكر بن وائل اعتبر هذه المعلقة التي ذاع صيتها “بربوجندا”، أي دعاية إعلامية تسوقها قبيلة تغلب فقال: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة *** قصيدة قالها عمرو بن كلثوم.
هذا ليس اسقاطا وليس تزلفا من العلاقات العامة، بل دليل على أن هذا العلم والحرفة والموهبة يمارسها الجميع بطريقة أو بأخرى. وليس انحيازا للحضارة العربية، فالبعض يعتقد أن تاريخ العلاقات العامة أبعد من تلك العصور، فالانسان الأول أوجد لنفسه نمطا في العلاقات العامة حيث كان زعماء القبائل يستخدمون معتقداتهم للتأثير على اتباعهم وتوجيههم. وكذلك تحدث أرسطو عن اقناع الجماهير من خلال الحصول على عطفها ورضاها حين تحدث عن البلاغة في فن الخطابة.
ولكن مع تطور كافة العلوم وتداخل مناشط الحياة مع بعضها البعض، ظهر المفهوم الجديد للعلاقات العامة في منتصف القرن الماضي، وأتى المفهوم الأكاديمي الحديث وبدأ في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية حين أسس معهد العلاقات العامة البريطاني عام 1948، فدخلت بعد ذلك العلاقات العامة كمادة تدرس في الجامعات وكأقسام ودوائر ضمن المؤسسات الحكومية والخاصة.
ولكن ماهي العلاقات العامة؟ يقول لي بعضهم أنها الكذب بطريقة منمقة، ويعتبرها البعض الآخر هي النفاق الاحترافي، وفي أحسن الأحوال يطلقون عليها اسم رواية إحسان عبدالقدوس الشهيرة “أنا لا أكذب ولكنني أتجمل”.
من أين نبدأ؟ لنعطي مثالا أقرب ونعود فيه إلى العرب وآدابهم، فقد أخبرت الروايات العربية أن قبيلة بنو أنف الناقة كانوا يخجلون من هذه التسمية، فإن سأل سائل أحدهم ممن أنت؟ قال من بني قريع مبتعدا عن كلمة بنو أنف الناقة، حتى قام الحطيئة بمدحهم في قصيدة قال فيها: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم .. ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا. فأصبح هذا الإسم موضع فخر لهم واعتزاز.
هذا ما تفعله العلاقات العامة إن أردتم التبسيط، لا تكذب ولكنها تقدم وجهة نظر المؤسسة بطريقة جذابة، وهناك فرق كبير بين اللباقة والكذب. ويعرف قاموس اكسفور العلاقات العامة على أنها “الفن القائم على أسس علمية لبحث أنسب طرق التعامل الناجحة المتبادلة بين المنظمة وجمهورها الداخلي والخارجي لتحقيق أهدافها مع مراعاة القيم والمعايير الاجتماعية والقوانين والأخلاق العامة بالمجتمع”. وأما الجمعية الدولية للعلاقات العامة فتعرف العلاقات العامة بأنها “وظيفة إدارية دائمة ومنظمة تحاول المؤسسة العامة أو الخاصة عن طريقها أن تحلل مع من تتعامل أو يمكن أن تتعامل لتحقيق التفاهم والتأييد والمشاركة. وفي سبيل هذه الغاية على المؤسسة أن تستقصي رأي الجمهور ازاءها وأن تكيف معه بقدر الامكان سياستها وتصرفاتها وأن تصل عن طريق تطبيقها لبرامج الإعلام الشامل إلى تحقيق المصالح المشتركة”.
هل هذا الكلام واقعي؟ وهل العلاقات العامة بهذه الأهمية؟ ماذا لو أخذنا مثالا قريبا جدا وتسائلنا: كيف نجح أوباما ذلك الرجل الأسمر في الجلوس على كرسي الرئاسة الأمريكية؟ إنها العلاقات العامة التي أدارت حملته بشكل ناجح جدا، بل بطريقة مبتكرة جدا. أية شركة علاقات عامة فاشلة كانت ستسعى لاخفاء تاريخ الرئيس المرتقب، وستحاول فبكرة أنه من أصل أمريكي خالص. ولكن إدارة الحملة الناجحة عملت عكس ذلك تماما، أظهرت كل شيء عن حياته السابقة الفقيرة المعدمة والمحرومة، وأكدت على تعددية العرقيات والخلفيات الحضارية التي ينتمي إليها. وكأنها تقدم نموذجا جديدا يبحث عنه الأمريكيون في ذلك الوقت ويتعاطفون معه. وكان شعار الحملة مباشرا وفعالا ومن كلمة واحدة “التغيير”. نعم لأوباما تاريخ حافل من التحدي والانجاز وله كاريزما خاصة ولكن لم يكن ليصل إلى البيت الأبيض لولا العلاقات العامة. وتنظر بعض المؤسسات للعلاقات العامة من منظور ضيق جدا حين تقصرها على الأخبار الصحفية أو استقبال الضيوف! هذه الممارسات مهمة جدا، ولكن قبل ذلك كله يجب أن تكون هناك استراتيجية للعلاقات العامة مع تطبيقات احترافية متحلية بالأخلاق والإلتزام المهني، آخذة باعتبارات البيئة التي تعمل فيها ونوع القطاع الذي تمارس فيه العلاقات العامة.
العلاقات العامة الفعالة هي الي تضمن علاقة قوية ومسؤولة بين المؤسسة وجمهورها الداخلي والخارجي. والتميز في أن تكون العلاقات العامة متنبئة بالتغيرات التي ستحصل قبل حدوثها، سواءً كانت سلبية أو ايجابية.
وتظهر في مؤسسات القطاع الخاصة ضرورة وجود علاقات عامة فعالة بشكل جلي، لأنها تتحمل أخطاء جميع أقسام وأفراد المؤسسة، فرسالة خاطئة أو ممارسة سيئة قد تكلف المؤسسة ملايين من الريالات، وستجعل قسم العلاقات العامة في حالة استنفار قصوى.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *