alamah-logo
المدونة
ديسمبر 08

تسويق بغير الضاد

إن التنمية الاقتصادية لا تعني الإنتاج، بل تعني التسويق قبل الإنتاج وعند الإنتاج وبعد الإنتاج، لأن بناء مصانع، وتكديس منتجات لا يعني أبدا نهضة اقتصادية، بل يعني فشلا وركود.

إن الحاجة للتسويق متنامية لأن احتياجات الناس أصبحت مختلفة بشكل لا يمكن تصوره، ولتلبية هذه الاحتياجات تقوم جهات التصنيع والخدمات بتوفير السلع بطرق مختلفة ومبتكرة. فمثلا لم يصبح الهاتف النقال مجرد هاتف نقال، بل أصبح حاسبا آليا، وكاميرا رقمية، وراديو، ومفكرة إلكتروني، وماسح ضوئي، ومخزن بيانات، وعارض أفلام، ومشغل موسيقى، وتطول القائمة. كل هذه التفاصيل الفرعية هي التي أصبحت تميز منتجا عن آخر حتى وإن كانت منتجات من نفس الطراز. توجيه هذه المنتجات للفئة المستهدفة تحتاج إلى تسويق يفهم تلك الاحتياجات ويلبيها. قد يقول البعض بأن هذه الاحتياجات ترف يقنع به التسويق الناس ليستهلكوها، هذا موضوع آخر نقاشه يطول، ولكن المهم أن هناك طلب كبير على هذه التفاصيل التي تعني الكثير لفئة من المستخدمين.

هل هناك تسويق عربي؟ هذا سؤال صعب، والصعوبة في الدلالات التي يمكن أن تطرحها أي إجابة. فلا يوجد “تسويق عربي” بالمعنى الإصطلاحي للكلمة، فنظريات التسويق هي مشابهة لنظريات الإدارة والتعليم والعسكرية وغيرها. هي مفاهيم بشرية عامة يمكن لكل حضارة أن تضيف إليها من خصوصيتها، ولكن ميزة التسويق أنه يجمع بين العديد من العلوم، من الاقتصاد وعلم النفس، واللغة، والفن وغيرها من العلوم.

والحضارة العربية زاخرة بتراث غني من هذه العلوم الإنسانية والتجارية ، تحتاج إلى من يغوص فيها ليستنبط العديد من الممارسات الاقتصادية التسويقية والإعلانية. فلو تدبر العرب والمسلمون القرآن الذي بين أيديهم لاكتشفوا العجب العجاب في هذا الجانب. أبتداءً من نظريات سيدنا يوسف عليه السلام الاقتصادية، وقوانين الزكاة والتركة، وانتهاءً بأسليب الترغيب والترهيب التي يعتمدها التسويق في الكثير من ممارساته.

لا أعتقد أن هناك أمة احتفت بالشعر كما احتفى به العرب، لذلك كانوا يقيمون للشعر أسواقا، وهذا ربط فريد بين السوق والشعر، أو قل بين التسويق والشعر. أولم يستخدم الشعراء العرب الشعر كوسيلة إعلانية يسوقون بها أفكارهم ويعززون بها مطالبهم. أولم يكن جهابذة الشعر العربي مدراء علاقات عامة يروجون لقبائلهم. أليست الأمثال العربية بمثابة شعارات لفظية ابتكرها محررون”Copywriters”  متميزون.

 

“مقدمة ابن خلدون” كتاب واحد من بين مئات الكتب يكفي لنعرف مدى الاضافة الحضارية التي اضافها العرب في مجال الاقتصاد والفلسفة والتسويق ايضا. إن حديث ابن خلدون عن سكان الحضر والبداية واختلاف مهنهم يدرس اليوم بطريقة أكثر تنظيرا في التسويق، وهو الاستهداف على حسب الاختلاف الديمغرافي ونمط الحياة. كيف توصل ابن خلدون لهذه النظريات في ذلك الوقت المتقدم من الزمن. وهذا مثال بسيط فقط من الأفكار الطلائعية التي طرحها ابن خلدون. لذلك يحظى هذا الكاتب بمكانة غير عادية مع الغرب لأنهم يعرفون قيمته الحقيقية. كم واحدا من المتخصصين في هذه العلوم قرأ المقدمة كاملة؟!

إن كل هذه البكائية لا تساوي شيئا في عالم التسويق اليوم، فقد “مضى بالمجدِ قومٌ آخرونَ”. لا يعترف أحد بكل هذا التراث الثري إن لم تكن آثاره موجودة على أرض الواقع، والواقع العربي اليوم حالك! لا تمر أمة الضاد بأفضل مراحلها الحضارية خلال هذه الفترة من التاريخ، إنه عصر التراجع والتبعية لهذه البقعة من العالم، والأسباب في ذلك داخلية قبل أن تكون خارجية. إن مشكلة التسويق في العالم العربي هي مشكلة كل شيء في هذه الدول. فلايزال السوق العربي المشترك حلما إن لم يكن وهما، فلا يمكن تشكيل ذلك السوق في غياب الإستراتيجية الاقتصادية الموحدة، وانعدام الشفافية الاقتصادية في الكثير من البلدان العربية، والإزدواجية الكبيرة بين السلطة ورأس المال، وغياب الرقابة والمحاسبة على الكثير من المؤسسات التجارية العربية، هذا إلى جانب الأمية والفقر والفساد.

أتت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية لتعصف بالعالم أجمع، ولكنها وضعت المؤسسات الاقتصادية العربية على المحك في عملية الافصاح عن حجم الاستثمارات العربية في الغرب، على الرغم من أن الكثير من تلك الاستثمارات استثمارات حكومية بما فيها الصناديق السيادية للعديد من الدول، إلا أنه لم تعلن الأرقام الحقيقية لخسائر تلك الدول والمؤسسات مما يجعل مسألة الشفافية سببا واضحا في تراجع التنمية الاقتصادية، وهذا يأخذ معه تراجع الإنتاج والتسويق.

فقد يبتكر شخص أو شركة ما منتجا جديدا أو خدمة جديدة يمكن أن تشبع رغبة عند المستهلكين. ولكنها تصطدم ب “وحل الواقع” من بيرقراطية في الشروط والأداء، إلى محسوبية في التصاريح والتراخيص، إلى معوقات لا تعد ولا تحصى تقتل كل ابتكار تسويقي.

ولكن ليست الصورة معتمة تماما، هناك مناطق مضيئة في المشهد، فمن الخطأ وضع كل الدول العربية في سلة واحدة والأسباب كثيرة. فهناك دول غنية وأخرى فقيرة في العالم العربي، وهناك دول اتخذت العديد من الاصلاحات السياسية والاقتصادية مكنتها من البروز كوجهة مناسبة للاستثمار. هذا ما أدى لوجود كيانات اقتصادية عربية متميزة ومعتمدة على سياسات تسويقة ناجحة على مستوى عالمي.

كنت في رحلة إلى جبال البلوماونتن الثلجية والتي تبعد حوالي 3 ساعات من مدينة ميلبورن الاسترالية. طريق طويل وصعب، وتقصده فئات معينة من السياح في هذه المدينة الاسترالية. وعلى قمة الجبل الثلجي وجدت إعلانا ضخما لشركة طيران الإمارات. أحسست بالفخر أن شركة عربية وصلت إلى هذا المكان لتعلن فيه، وسبقت في ذلك حتى شركات الطيران المحلية في استراليا. وذلك لأن هذه الشركة عملت بمفاهيم تسويقية عالمية. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرة قل الطلب على الطائرات من قبل الركاب، واحجمت الكثير من شركات الطيران عن طلب الطائرات من المصانع لاعتقادهم أن صناعة الطيران ستتأثر بشكل كبير. طيران الإمارات كسرت القاعدة ورأت في ذلك فرصة مختبأة فاشترت أعدادا من الطائرات بأسعار تنافسية جدا لقلة الطلب، لأنها أدركت أن صناعة الطيران لن تتوقف وسيعود المستهلكون يركبون الطائرات ويسافرون إلى كل بقاع العالم. هذا إلى جانب تركيزهم على الخدمة ثم الخدمة ثم الخدمة. حتى أصبحت سمعة السفر في طيران الإمارات ترفا للكثير من المسافرين حول العالم.

 

وفي مجال العلامات التجارية يظهر تماما عجز الشركات العربية عن مواكبة التطور الحاصل في العالم، فلا يزال هذا السوق ضامرا في الوطن العربي، والكثير من الشركات العربية تعمل على التصنيع والإنتاج والخدمة دون الاهتمام أو الالتفات إلى بناء علامتها التجارية، وهذا طبعا من قلة الفهم والخبرة. ولكن أيضا هناك مناطق مضيئة في مشهد العلامات التجارية. فقد احتلت قناة الجزيرة الفضائية مركز متقدما كخامس أقوى علامة تجارية في العالم. وهي تستحق ذلك بجدارة نتيجة للتغيير الذي احدثته في الإعلام العربي ولإدائها المهني العالي الذي سبق حتى أكبر المؤسسات الإعلامية الغربية. وهذا التصنيف لم يكن تصنيفا عربيا بل هو شهادة غربية للجزيرة.

 

إن التسويق عالم كبير تتداخل فيه مختلف القطاعات، وتحليل مشاكل التسويق العربي هي تحليل لمشاكل العالم العربي نفسه، والخطأ إن اعتقدنا أن بناء مصانع يعني بناء اقتصاد، إن صناعة أسواق تعني ذلك.

 

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *