alamah-logo
ديسمبر 20

إعلانات سياسية وسياسات إعلانية

أجمل ما في الإعلان أنه مزج بين العلم والفن، فحين يبدأ ترى أصحاب الصنعة غارقون في دراسات وأرقام ومنحنيات، وفي المراحل الأخيرة تراهم يرتدون ملابس الخيال والذوق الرفيع. عقل العالم واحساس الفنان! لتقف في بعض الأحيان أمام ابداع إنساني ، يصل حد الإبهار. نعم إنه الإعلان! الإعلان أداة اتصال مدفوعة الثمن، تحمل رسالة المعلن والتي قد تكون منتجا أو خدمةً أو فكرةً أو سلوكا. ويتداخل الإعلان مع كثير من المجالات، أحدها السياسة. ولكن من يستخدم من؟ هل يستخدم السياسيون الإعلان للوصل إلى مرشحيهم ليحفزوهم على الاقتراع، وبذلك يصلون إلى كراسي السلطة؟ أم أن الإعلان يستخدم السياسيين مروجين ومسوقين و “مودليز” ليبيع أكثر؟ هذه النظرة عدائية جدا للطرفين، قد تنطبق في بعض الأمثلة وقد لا تنطبق في أمثلة أخرى. في الحقيقة أن الجميع يحتاج إلى الإعلان ويمارسه بطريقة أو بأخرى، والسياسيون ليسوا بعيدين عن ذلك. وكذلك الإعلان يستعين بالشخصيات المشهورة والتي يجذب الجماهير لمشاهدة الإعلان وتصديقه في بعض الأحيان بوجود تلك الشخصيات. يقال أن روما القديمة شهدت حركة إعلانية سياسية نشطة من خلال الخطابات السياسية التي كانت تعتبر أول أنواع الإعلان السياسي. وتطور الأمر بعد ذلك إلى ما نراه الآن سواءً في مجال الأفكار المستلهمة، أو التقنيات المستخدمة.

 ولعل من أشهر الاعلانات التي كانت تجمع بين الرسائل السياسية والإعلانية هو إعلان جوربتشوف لبيتزا هت. فلقد وجهت الكثير من الدعوات لرئيس الاتحاد السوفيتي الأسبق ميخائيل جوربتشوف ليظهر في الإعلانات التجارية، ولكن كلها كانت تقابل بالرفض. حتى احتاجت المكتبة الخيرية التي يرعاها جوبتشوف إلى تمويل مالي لم يكن يملكه، فبدأت بعض هذه العروض تلاقي ترحيبا. حتى أتت الموافقة على إعلان لبيتزا هت حيث ظهر فيه جوربتشو مع حفيده يدخلون إلى محل بيتزا هت في روسيا، ويقوم جوربتشوف بطلب البيتزا، فيعرفه أحد الموجودين في المحل، فيصيح: “بسببه حصل معنا تشويش في الاقتصاد”. فيرد عليه رجل آخر: “كلا، بسببه تمكنا من الحصول على فرصة”. فتنهض امرأة عجوز وتقول: “بسببه أصبحت معنا أشياء مثل بيتزا هت”. فينهض الجميع لتحية زعيمهم السابق بحرارة. انتهى الإعلان الذي يتعدى الدعاية ليصل إلى الرسالة السياسية الواضحة للانفتاح الروسي على الرأسمالية. كما يمكن أن تستخدم تلك الرسائل السياسية استخداما ايجابيا في الإعلان فقد تكون مصدر فشل للإعلان التجاري وللشركة بشكل عام. فحين تقوم أي شركة بإخراج إعلان تجاري يجب أن تراعي كل ما يمكن أن يثير حفيظة أي جهة من الجهات الموجه الإعلان لها، فما بالك بالجوانب السياسية التي تعتبر من أكثر الأمور تعقيدا. حدث في عام 2008 أن ظهرت الإعلامية الأمريكية ريتشيل راي والتي اشتهرت ببرنامج الطبخ الذي تقدمه في التيلفزيون ويحمل أسمها، ظهرت وهي ترتدي وشاحا يشبه الكوفية الفلسطينية في إحدى دعايات شركة “دانكن دونتس”، مما أدى لشن هجوم عليها وعلى شركة المقاهي العالمية يتهمهم بالتعاطف مع الارهاب. فما كان من دانكن دونتس إلا أن حذفت الإعلان. الأمر الذي جعل الكثير من المنظمات الدينية والعربية في أمريكا لشن مقاطعة ضد منتجات الشركة لرضوخها للضغوطات التي يمارسها “متشددون ضد العرب والمسلمين” كما وصفتهم اللجنة الأمريكية العربية لمناهضة التمييز والتي قادت تلك الحملة. بسبب ظهور الكوفية في هذا الإعلان حدث هذا الجدل الكبير، إذن فالإعلان ليس مجرد عمل تجاري بسيط، إنه محتوى فكري قد يمثل أداة ضغط ورضوخ للكثير من الأطراف. وفي اسرائيل نفسها هناك الكثير من الإعلانات التي يستدل الفلسطينيون بها على عنصرية المجتمع الصهيوني. ففي إعلان لواحدة من أشهر شركات السيارات قدمت سيارتها الجديدة الاقتصادية في استهلاكها للبنزين ولكن بفكرة أقل ما يقال عنها عنصرية. حيث يخرج العربي الذي يرتدي دشداشة وعقال وبجانبه الكثير من المساعدين، وتمشي خلفه مجموعة من النساء المتشحات بالسواد وكأنهن جواري. يرى هذه السيارة فيتجه إليها ويبدأ في ضربها بيديه ثم بحذائه، ويودعها بشتيمة نابية. هكذا يظهر العربي في صورة الهمجي المخرب بذيء اللسان. لاقى هذا الإعلان ردات فعل قوية في الأراضي المحتلة وتحركت عدة جهات حقوقية، ولكن هل أخذت حقها! هذا موضوع آخر، ولكن التأثير الذي حصل والمطالبات التي وصلت إلى الشركة بسحب الإعلان يجعل الأمر يتعدى مقطع فيديو لا تزيد مدته عن 30 ثانية. إعلان آخر لشركة اتصالات اسرائيلية يصور مجموعة من الجنود الاسرائيلين يقومون بدورية حراسة بجانب الجدار الفاصل، ثم تهبط عليهم كرة من خلف الجدار العازل، فيقوم الجنود بإرجاعها للطرف الآخر، ثم تعود إليهم فيخلعون خوذاتهم ويدخلون في لعبة ركل الكرة مع الطرف الآخر، ثم تنظم إليهم قوات اضافية بها العديد من المجندات الحسناوات ويكملون اللعب. وتظهر في آخر الإعلان عبارة «على أي حال ما الذي نسعى اليه جميعاً؟.. قليل من المتعة فقط»! وينتهي الإعلان، ولكن الزوبعة التي أثارها استمرت طويلا لكثير من مستخدمي خدمات هذه الشركة، فهناك رسائل سياسية موجهة في هذا الإعلان، فهو يسخر من مشاعر الفلسطينين ومعاناتهم داخل الجدار، ويحوله لمجرد لعبة للتسلية. العلاقة متداخلة بين السياسية والإعلان، فلا يصل الرؤساء والنواب والممثلين السياسيين إلا وهم يتكؤون على العلاقات العامة والإعلان. فباراك أوباما عزز حملته الإعلانية للانتخابات الأمريكية بمجموعة من الإعلانات التيلفزيونية دخلت على المواطن الأمريكي من جانب كان يطلبه، التغيير الذي كان يشع في كل إعلان. مارجت تاشتر هي الأخرى استخدمت سياسة إعلانية قوية في حملتها للوصول إلى رئاسة وزراء بريطانيا. وفي استراليا كنا نقف على محطات القطارات فنرى المرشحين للانتخابات المحلية يحملون إعلانات يوزعونها على الواقفين وكأنهم موظفي مبيعات!

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *