alamah-logo
ديسمبر 18

التسويق أن يربح الجميع

تطالعنا الصحافة العربية على وجهه الخصوص بمقالات أدبية تهاجم الشركات وتضع التسويق والإعلان في أولى خطوط المواجهة، وكانت النتيجة أن أصبحت مفردات كالتسويق والإعلان مفردات سيئة في قواميس الأدباء العرب!
كثير من كتاب الأعمدة يهاجمون مفاهيم تسويقية ويحاكمونها محاكمة ظالمة بسبب ممارسات تسويقية خاطئة، وهم من حيث لا يعلمون يسيئون لقوانين بشرية اجتماعية يمارسها الناس العاديون وتكون ذات قيمة إنسانية عالية. فلا يعيب نظريات التسويق الاستغلال السيء لها من قبل البعض.
التسويق علم كغيره من علوم إدارة الأعمال، يقوم على نظريات وأخلاقيات ولكن دخول الجانب المالي فيه واستغلال بعض الشركات والمنظمات للتسويق كشماعة للغش والكذب والتحايل أعطى التسويق مفهوما سلبياً في ثقافتنا العربية.
والتسويق هو عملية اكتشاف احتياجات ورغبات المستهلك وترجمتها إلى سلع وخدمات ثم إتاحة استخدامها إلى أكبر عدد من المستهلكين. أو كما يحلو للأكاديمين تعريفه بعملية التخطيط والتنفيذ لتطوير وتسعير وتوزيع وترويج السلع والخدمات والأفكار وذلك بهدف خلق عملية التبادل التي تؤدي إلى إشباع حاجات وأهداف الفرد والمنظمة. ولكن في النهاية يقوم التسويق بتحويل احتياجات انسانية واجتماعية إلى فرص مربحة. هل من العيب أن يسدي لك أحدهم خدمة مقابل مبلغ من المال؟!! الإبداع في التسويق تنبأه بهذا المنتج أو الخدمة وتلبيها للمستهلك حتى من قبل أن يطلبها أو يعرف أنه يحتاجها أو يحبها.
وإذا عدنا إلى التسويق كمفهوم فكري فهو قديم قدم الحضارة على هذه الأرض، وستجد علاقات الإنسان الأولى قائمة على التسويق بطريقة أو بأخرى. لقد حدثت الثورة في علم التسويق في القرن العشرين حين وُثقت نظرياته علمياً وأكاديمياً. ففي بداية القرن الماضي كانت هناك مشكلة في التصنيع حين لم تكن تكنولوجيا الإنتاج بذلك القدر من الفعالية. لكن بعد الحرب العالمية الثانية قفزت التكنولوجيا التصنيعية قفزات طويلة أدت إلى وفرة في الإنتاج غطت على استيعاب الأسواق الضيقة للتوزيع فبرز دور التوسيق في محاولة للوصل إلى أسواق جديدة. وفي نهاية السبعينيات من القرن العشرين ظهر المفهوم الموسع والمنظر للتسويق. واستعان هذا العلم بأدوات من علوم أخرى كعلم الإدارة والمالية والنفس والإجتماع والفن والطبخ وغيرها.
يقول أحد خبراء التسويق وهو بول جي هوفمان: “أحد الأوهام أن تعتقد أنه بإمكانك بناء بلد بتشييد مصانع. لن تستطيع. إنك تصنعه ببنائك أسواقاً”. وهذا واقع صحيح فإن أنتجت منتجا ولم يباع فهو قطعة بالية تضعها في متحف، وبذلك لا يتطور الاقتصاد ولا تنمو الدول. وللتسويق استراتيجيات مختلفة وليست كلها كشركة كوكاكولا التي تريد أن يشتري كل الناس مشروبها الغازي. فمرسيدس بينز مثلا تقوم استراتيجيتها على بيع سياراتها إلى عينة خاصة تتمثل في مشترين أثرياء يرغبون في سيارات هندستها جيدة وفخمة. ومثال آخر مع الدكتور جامبل الذي صمم شامبو هيد آند شولدر خصيصا للأشخاص الذين يعانون من مشكلة القشرة في شعرهم.
وتستطيع أن تتخيل العالم بدون تسويق، فلا تعرف عن المنتجات الموجودة أصلا أو الجديدة، وإن ذهبت لتشتري مشروباً غازياً فعليك أن تبحث علبة علبة حتى تعرف المنتج الذي تريده، وتخيل أن لاعلامات تجارية معروفة، فكيف ستتأكد بأن الحقيبة التي تشتريها أصلية. التسويق يؤدي خدمة جليلة للشركات والمجتمع على حد سواء.
وإن كان هناك فهم خاطيء من عامة الجمهور لحقيقة التسويق، فإن هناك خطأ مضاعف في الفهم من قبل أصحاب الأعمال والشركات للوظيفة الحقيقية للتسويق لأن المنطق يفترض معرفتهم التامة لماهيته وفوائده. فالكثير من الشركات ورجال الأعمال يتوهمون بأن التسويق هو عملية البيع، وهذا غير صحيح، فالبيع يحدث بعد انتاج المنتج. أما التسويق فيبدأ قبل صناعة المنتج ويستمر حتى نهاية عمره، فقبل الإنتاج أنت بحاجة لبحث في السوق، ثم استهداف للجمهور، ثم تثبيت صورة المنتج وغيرها من استراتيجيات التسويق الطويلة. والمشكلة الثانية حين تعتقد بعض الشركات ومدرائها أن التسويق عبارة عن قسم منفصل، التسويق أهم بكثير من أن يترك لقسم التسويق لوحده. كل أقسام المؤسسة تشترك في العملية التسويقية من خلال كفاءتها في أداء عملها ونظرتها الشمولية للمؤسسة. فإن قمت بشراء هاتف نقال من شركة وحصل خطأ في الفاتورة وجعلك قسم المالية تنتظر كثيرا فإن ذلك سيأثر مباشرة على تسويق الشركة.
لقد اجتمعت على مقاعد الدراسة مع زميل استرالي يعمل في قسم التسويق بمصلحة الضرائب الاسترالية. فسألته مازحاً جاداً ما حاجتكم إلى التسويق في مصلحة الضرائب، فالناس يجب عليهم دفع الضريبة قانوناً وبدون تحفيز لأن عدم دفعهم مخالفة قانونية تكلفهم الكثير. فرد بثقة: نعم هم سيدفعون على كل حال، ولكن من خلال قسم التسويق نجعلهم يدفعون وهم مبتسمين، وذلك يسهل علينا الكثير من الأعمال والأعباء التي سنتكلفها من خلال المطالبات والشكاوي والمتابعات. تأملت في كلامه وبحثت فوجدته يتحدث من منظور علمي وعملي مستندًا على الكثير من النظريات والتطبيقات. وتسائلت تسائلاً بريئاً: كم من الوزارات الخدمية والمؤسسات الحكومية لديها أقسام تسويق؟ وهنا يجب التفريق بين التسويق والعلاقات العامة، فعلى الرغم من التقارب الشديد في الهدف، إلا أن آليات العمل مختلفة ولا يجب خلطها.
وللإنصاف هناك عدة جهات حكومية في السلطنة لها أقسام تسويق ناجحة وبارزة على الرغم من وجود العديد من التحديات أمامها، ولعله ومن الإنصاف أن نذكر بعضا منها كالهيئة العامة للمناطق الصناعية “واحة المعرفة”، المركز العماني لترويج الاستثمار، وزارة السياحة، بلدية مسقط، وغيرها من المؤسسات الحكومية التي تعمل بعقلية السوق وتبتعد عن الروتين والبيرقراطية. كم نتمنى أن تنتهج كل المؤسسات والقطاعات الحكومية هذا النهج، وتتعامل مع المواطنين كزبائن لخدماتها تسعى دائما لحوز رضاهم وتشكيل علاقة شراكة معهم. ذلك سيكفل فاعلية أكبر في العمل، وحل سريع للمشاكل التي قد تظهر.
على الرغم من كل ما سبق إلا أن الصورة السوداء لدى البعض لا تزال قائمة تجاه التسويق جراء تجارب سيئة اتهم فيها التسويق، ولكن الحقيقة أن التسويق مفهوم تجاري مهم لجميع المؤسسات الخاصة والحكومية، والأفراد وحتى الأفكار. يكون التسويق الحقيقي حين تتحقق صفقة مرضية لمختلف لأطراف، ويخرج الجميع باعتقاد الربح.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *