alamah-logo
ديسمبر 19

المسؤولية الاجتماعية بين الاحسان والواجب

عندما تقوم مؤسسة بإنشاء مصنع أو مصفاة أو ميناء فإنها بكل تأكيد تؤثر إيجابا على سكان المناطق المحيطة بذلك المشروع، فهي توفر وظائف لأبناء تلك المنطقة، وتساهم في ازدهارها تجاريا واقتصاديا. ولكن للأسف هناك وجه آخر للعملة، فمع كل الإيجابيات هناك سلبيات حتمية تؤثر على البيئة وديمغرافية السكان. وفي أحد الاجتماعات التي تناقش المسؤولية الاجتماعية، تحدث أحد مديري العلاقات العامة في مصنع على أرض السلطنة وافتخر أن مصنعهم لا يؤثر على البيئة بتاتا. اعترض عليه أحد المختصين وأكد أن وجود أي مصنع مهما صغر أو كبر سيؤثر على البيئة بطريقة أو بأخرى، فحتى الضوضاء التي تصدرها آلات ذلك المصنع تعبر تلوثا صوتيا.
إذن فحتى الصوت قد يكون مصدرا للتلوث، الأكثر من ذلك أن الضوء قد يكون مصدرا للتلوث. فيتم ايقاف العديد من المشاريع الصناعية والسياحية على الشواطئ لأنها ببساطة قد تدمر أجزاء مهمة من بيئة تلك المناطق. فالسلاحف على سبيل المثال حين تفقس من البيض تخرج في الليل وتتجه إلى البحر مستدلة عليه بانعكاس النجوم على صفحة الماء، ولكن حين ترى أضواء تلك المشاريع يخيل إليها أنها انعكاس النجوم على البحر، فتتجه إليها وتموت. تخيلوا التأثير من أين يأتي؟
وحين تدخل مثل هذه المشاريع إلى مناطق سكانية فإنها بكل تأكيد تغير من ديمغرافية تلك المناطق، وتتغير أنماط معيشة السكان، ليس دائما للأفضل! لذلك فكل نشاط صناعي أو عمراني أو تجاري يترتب عليه تأثير على البيئة ودمغرافية السكان، ومن هنا تظهر فكرة المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تحس بها المؤسسات القائمة على هذا النمط من المشاريع. وتنطلق هذه النظرة من اخلاقيات العمل التجاري، فالمال لوحده لا ينشيء اقتصادا متكاملا، فهو يحتاج إلى منظومة الأخلاق ليكون الإنسان محور تلك التنمية.
وتراود الريبة الكثير من الناس عندما تتحدث الشركات عن أعمالها التطوعية ومسؤوليتها الاجتماعية، وربما يكون السبب في ذلك هو الاساس الربحي الذي تقوم عليه الشركات. ولكن طبعية العلاقة المفترضة بين الشركات والمجتمع يجب أن تكون علاقة تكاملية في النظام الاقتصادي السائد في العالم، حيث تمثل الأعمال والشركات أحد أكبر المحركين للمجتمع. فتجد عددا من المدن تقوم على مصانع أو شركات عملاقة، حيث يعمل معظم أفراد تلك المدينة في ذلك المصنع أو الشركة، والشركة تضمن لعائلات العاملين السكن والتعليم والصحة.
وتزدحم المفاهيم والتعريفات للمسؤولية الاجتماعية، ولكن الأهم هو فهم كل مؤسسة للدور الذي يجب أن تقوم به تجاه المجتمع الإنساني المحيط بها، وتنطلق تلك المسؤولية من احساس القيادات الإدارية في المؤسسة والموظفين بضرورة لعب دور فعال في المجتمع.
وتمارس معظم الشركات نوع من المسؤولية الاجتماعية، البعض عن فهم ووعي، والبعض الآخر صرف لمزانية مخصصة. وقد يكون هذا عائد لطبيعة الجمهور المستهدف.
أهل التسويق لهم فهم خاص للمسؤولية الاجتماعية، تجمع بين اخلاقيات العمل التجاري، وبين ربحية الشركة، حيث تكون العلامة التجارية هي الجسر بين الإثنين. فحين تعرف شركة نفسها كشركة تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع المحيط، فيجب أن تقوم بخطوات كثيرة في سبيل ذلك على ارض الواقع، هذا مما ينعكس ايجابا على علامتها التجارية ويجعلها علامة قريبة من الناس ومحبوبه من قبلهم.
لذلك تربط الشركات اسمها بالمشاريع الخيرية والمبادرات الاجتماعية، ولا أرى في ذلك نفاقا ولا رياءً. حين تفعل المؤسسات التجارية أعمال خيرية فيجب أن تظهر وتبرز لكي يتسابق منافسوها للرد عليها بمبادرات اجتماعية أخرى تفيد المجتمع. ولكن يجب أن تكون التغطية الإعلامية على قدر التغيير الذي تحدثه تلك المبادرة، وإلا فستكون النتيجة سلبية على المؤسسة نفسها.
إن الصورة النمطية للمسؤولية الاجتماعية والمتمثلة في صورة للرئيس التنفيذي لمؤسسة يسلم شيكا ماليا لجمعية المرأة أو جمعية ذوي الاحتياجات الخاصة لم تعد الطريقة المثلى للتواصل مع المجتمع. إن ابتكار مبادرات أكثر تأثيرا، وأطول استمرارية هي التي ترسخ ذلك المفهوم وتضيف للمجتمع قيمة حقيقة وتعطي العلامة التجارية بريقا خاصا ومتميزا.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *