alamah-logo
ديسمبر 19

بالأخضر سوقناه

 

ابتكر فندق كراون بلازا في كوبنهاجن طريقة غريبة لتوليد الطاقة من خلال جعل نزلائه يولدون الطاقة الكهربائية عن طريق قيادة دراجة هوائية موصلة بمولد يخزن الطاقة. وكل نزيل في الفندق يتمرن على الدراجة لمدة 15 دقيقة يحصل على قسيمة لوجبة مجانية تقدر ب 36 دولار. الطاقة التي تنتج من 15 دقيقة تكفي لإضاءة مجموعة بسيطة من المصابيح في فندق من فئة الخمس نجوم. إذن ألا تعد هذه خسارة مضاعفة على الفندق نظير الوجبات المجانية التي يقدمها لنزلائه. من المستحيل توفير طاقة كهربائية كافية لمؤسسة كبيرة بهذه الطريقة، ولكنها مجموعة رسائل يرسلها الفندق بضرورة المحافظة على الطاقة، وتبنيه لمثل هذه المبادرات الخضراء. في المقابل على ماذا حصل الفندق؟ هذا الخبر كان في معظم الصحف ووسائل الإعلام الدينماركية، والأكثر من ذلك أنه احتل مكانا بارزا على صفحة البي بي سي ووكالات عالمية أخرى. وها نحن نتحدث عنه في هذه الزاوية على الرغم من البعد الجغرافي وضعف احتمالية زيارتنا له. إن هذا مثال على ما يعرف ب “التسويق الأخضر”. فكل عمل تجاري مهما كبر أو صغر لا بد أن يكون ضمن منظومة الأخلاق العامة للمجتمع الذي يعمل فيه. وهو ما يترتب عليه مسؤولية اجتماعية تجاه ذلك المجتمع الذي يربح العمل التجاري منه. وقد تكون البيئة أحد أهم القطاعات المتأثرة من النشاط التجاري والصناعي والخدمي، لذلك يترتب على هذه المؤسسات الربحية العناية بالبيئة لتقليل الآثر الناتجة عن ذلك النشاط. ويأتي التسويق الأخضر كاستجابة للمسؤولية الاجتماعية التي يجب أن توليها المؤسسة الربحية للمجتمع، ويهدف التسويق الأخضر إلى تقليل الآثار السلبية للنشاط التجاري على البيئة، وذلك باستخدام طرق تجارية صديقة للبيئة. وهوه ما من شأنه أن يؤثر ايجابا على العلامة التجارية، ويجعلها علامة تجارية مفضلة للجمهور لأنها تحافظ على اليبئة وتساهم في حياة أفضل لعملاء تلك السلعة. وحقيقة الأمر أن البيئة هي مسؤولية الجميع، وقد تتخطى بعض المؤسسات مسؤوليتها في المحافظة على البيئة إلى تثقيف زبائنها وعملائها بضرورة المحافظة على البيئة وصيانتها. وهذه خطوة متقدمة في ثقافة التسويق الأخضر. وقد رأينا عدة مبادرات في السوق العمانية تدل على ذلك، فقد قامت عدد من المتاجر الكبيرة بتقديم أكياس قماشية يمكن إعادة استخدامها للحد من استخدام أكياس البلاستيك التي تدمر البيئة، وقد قامت ببيعها بأسعار التكلفة أو أقل. بالطبع على المدى البعيد إن استغنى العملاء عن أكياس البلاستيك التي توزعها المتاجر مجانا فسيكون ذلك مصدرا لتوفير بالنسبة لتلك المتاجر، ولكن لا مشكلة في ذلك ما دامت النتيجة ستنعكس ايجابا على البيئة. ومعنا في السلطنة يلوم البعض شركات القطاع الخاص في عدم انتهاجها للتسويق الأخضر، وعدم مساهمتها في المشاريع التي تساهم في المحافظة على البيئة. ولكن هل يساهم العملاء والمستهلكون الأفراد في المحافظة على البيئة؟ هل يفهمون ضرورة ذلك العمل الذي يبدأ فرديا ثم يتحول إلى سلوك اجتماعي عام. هل يوجد لدينا “مستهلك أخضر” يحرص على استهلاك منتجات صديقة للبيئة ويقدر العلامات التجارية التي تفعل ذلك؟ ليس هناك احصائية على حد علمي، والتعميمات قبل كل شيء مرفوضة، ولكن لا توضع المعايير البيئية عند اتخاذ قرار الشراء عند معظم المستهلكين في السلطنة ولا أبريء نفسي! قبل شهر من الآن وبالتحديد في 27 من مارس 2010 احتفلت السلطنة للمرة الأولى بساعة الأرض، حيث تطفيء الأضواء في عدد من المؤسسات والمعالم الحضارية المعروفة لمدة ساعة واحدة، اعترافا بضرورة المحافظة على الطاقة، والبحث عن حلول فعالة للحد من الاستخدام المفرط للكهرباء. للاسف لم تكن الكثير من المؤسسات الحكومية على مستوى الحدث، ولكن كان تجاوب القطاع الخاص أكبر في هذا المجال، حيث عمدت عدد من الشركات والفنادق لإطفاء الأضواء لمدة ساعة دعما للهذه المبادرة. وهي في ذلك أيضا ترسخ مفهوم التسويق الأخضر الذي يبحث عن هذه المبادرات ليرسخ مفهوم العلامة التجارية المحبوبة من قبل الناس. المفاجأة حصلت من قبل المستهلكين العاديين، فقد كنا على الهواء في برنامج نقطة نظام مع المذيع خالد الراشدي في إذاعة الوصال نناقش هذه المبادرة العالمية التي تحمل الكثير من الرسائل، لنتفاجيء بالعديد من المتصلين في نصف البرنامج يشتكون عن انقطاع التيار الكهربائي في الصيف. ونقاش ساعة الأرض الذي كان يدور في الإذاعة بعيد كل البعد عن ذلك، ولم يكن ضمن الحضور أحد المختصين في قضية انقطاع التيار الكهربائي. وهذا يدل على أن المستهلك العادي يحتاج إلى الكثير من التوعية في أن يكون “مستهلكا أخضرا”. وفي الاسبوع الماضي استقبل الإعلام العماني “نور”، وهي شخصية كرتونية تختزل فيها الحملة الوطنية للحفاظ على الطاقة العديد من الرسائل والمفاهيم، وهي تمثل حيوان المها العربي الذي تشتهر به السلطنة والذي عرف بقدرته على تخزين الطاقة في جسمه عند زيادة درجات الحرارة الخارجية. اطلقت الحملة شركة الكهرباء القابضة، وتدير الحملة الإعلانية شركة “نيفي بلو” العالمية. هذه الحملات التعليمية هي مثال على ما يحتاجه المتسهلكون ليعرفوا واجباتهم تجاه المجتمع، وهي ما تفيد شركات القطاع الخاص لأنها ترفع مكانة العلامة التجارية وولاء العملاء، مما يعني حصص أكبر في السوق وأرباحا أكبر. إن من الأشياء الظريفة التي قرأتها في هذا المجال هي حلول عمانية قديمة لإعادة تدوير العلب والمواد المستهلكة، وحين تفكرت فيها وجدت أن أجدادنا أو بالأخص جداتنا كانوا يتصرفون بحكمة أكثر منا. فعلب “الكستر” كانت تستخدم لحفظ البهارات، وقناني “الفيمتو” للسمن والعسل، والملابس القديمة كأقمشة للتنظيف، والقائمة طويلة. لقد كانوا مستهلكين أكثر اخضرار منا، والخضرة هي الحياة.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *