alamah-logo
ديسمبر 18

تسويق الثقافة.. شاعر المليون

 

انتخب أحمد شوقي أميرا للشعراء ، ولا يشكك أحد بشوقي صاحب الديباجة الشعرية الفريدة، ولكنه للأسف انتخب بدون خشبة مسرح ليزرية، ومن غير قناة مفتوحة على مدار الساعة، وبلا إعلانات ملونة على صفحات الجرائد تحمل صوره، ومن غير فرقعات إعلامية صاخبة. بالتأكيد شوقي يستحقها وأكثر، فهو علامة بارزة في الحضارة العربية. ولكن اليوم غير البارحة، فنحن في عصر إبهار الصورة والحدث، نحن في عصر التسويق. استغرب الكثيرون غياب لقب أمير الشعراء عن تميم البرغوثي، وشاعر المليون عن ناصر الفراعنة، ولكن لم يلاحظ أحد أن الأطفال في مسقط يحفظون مقاطع الفراعنة!! ويرددون قصيدة ناقتي يا ناقتي حتى وإن لم يفهموا معظم معانيها!! ما هذه الانتفاضة التي حصلت في الوعي بالشعر الفصيح والنبطي ليس في سلطنة عمان بل في العالم العربي من المحيط إلى الخليج؟! إنه سحر التسويق، الذي مكن القائمين على هذه البرامج من إيصاله لبيت المشاهد العربي، وفي المقابل سوقت البرامج الشعر والشعراء والمنظمين والشركات. ولنأخذ شاعر المليون مثالا لتحليل العملية التسويقة التي نجح بها هذا البرنامج. وهنا لست مخولا للحديث عن المستوى الشعري والجدارة الأدبية للمشاركين أو لجنة التحكيم أو البرنامج ككل، فهذا الباب يطرقه الشعراء والنقاد وعلماء اللغة وفحولها، ولكنني معني بالعملية التسويقية التي خرج بها البرنامج. وهنا استغرب من الهجوم الذي شنه الكثير من الكتاب والصحفيين على البرنامج معتبرينه إساءة في حق الشعر العربي والتراث القومي. ما حصل أن القائمين على البرنامج طبقوا أساسيات العملية التسويقة مستخدمين أحدث وسائل التسويق. 1: بحث التسويق: حللوا السوق العربي، واكتشفوا سحر الإعلام وصناعة الأبطال في العقلية العربية، فالعرب دائما يبحثون عن بطل، فصبغ البرنامج بلون التحدي والمنافسة. واكتشف البرنامج الموروث اللغوي والشعري للمنطقة العربية فقرر أن تكون هي المنتج الذي سيسوقه من خلال الشعراء المتنافسين. وتأكد من الفجوة في الطلب على هذا المنتج، فلا توجد برامج منافسة بهذا المستوى والفكرة التي قد تهدد بمنافسة للبرنامج 2. أ. التجزئة: حيث يجزء السوق إلى شرائح معينة على اساس ديمغرافي وجغرافي ونمط حياة وحتى مستوى فكري معين. ب. الإستهداف: ثم حدد البرنامج الشريحية المستهدفة وهي على مستويات متعددة فالفئة الأولى هي فئة المتابعين والمحبين لهذه النوعية من البرنامج، أما الفئة الثانية فهي الشركات التي ستعلن في البرنامج. ج. التثبيت: ثم ثبتت صورة المنتج في أذهان المتابعين، كونه برنامج الشعر الأول. 3. المزيج التسويقي أو التسويق التكتيكي: أ.المنتج: حيث حدد البرنامج المنتج وهو الشعر والشعراء الذين يتنافسون على الحصول على اللقب. ب. السعر: لكل شيء سعره، فمع أن هذا البرنامج سيكلف مبالغ طائلة ستتكفل بها الجهة المنظمة لعل أقلها المليون الذي سيمنح للشاعر الفائز. في المقابل سيكون العائد كبيرا من خلال التصويت باتفاقيات مع شركات الاتصالات، والإعلانات في البرنامج. ج. الترويج والتوزيع: وهنا يختلط الاثنان في هذه الحالة، حيث وضعت ميزانية ضخمة لتسويق البرنامج من خلال عدة قنوات تسويقية كقناة فضائية خاصة، وباتفاقيات مع قنوات فضائية أخرى تنقل المنافسات النهائية، كما خصصت موقعا على شبكة الانترنت به نتائج المسابقات ومقاطع الشعراء، ولقاءات مع لجان التحكيم. كما دشنت مجلة باسم البرنامج تتابع بصورة أعمق الصدى الذي يثيره البرنامج. وبكل ذلك سجل البرنامج هويته التجارية كعلامة مسجلة، فالشعار الصوري واللفظي صار معروفا باسم البرنامج، وكانت لديه رسالة تسويقة أوصلها. وأتت نتائج الحملة الإعلانية، فحين لم يكن الشعر النبطي من اهتمامات الأكثرية من متابعي البرنامج، أصبح على رأس القائمة في اهتماماتهم، لأن العملية التسويقية صنعت سوقا لهذا المنتج، واقنعت شريحة كبيرة بأنها تحتاج له وعدم متابعتها للبرنامج ابتعادا عن حدث الساعة. ناصر الفراعنة لم يحصل على شاعر المليون، ولكنه تسويقيا هو كان الرابح الأكبر. فقد قمت بدراسة سريعة على محركات البحث في الانترنت: ” Google ” و “Yahoo ” و ” YouTube ” بكتابة كلمة البحث “شاعر المليون” لأجد أكثر النتائج تشير لناصر الفراعنة. ففي “YouTube ” تجد كل قصائد ناصر التي شارك بها إلى جانب كبير من التعليقات وردود المتصفحين والعديد من القضايا التي أثارها ناصر. لا استطيع القول بتفوق الفراعنة شعريا، والمأخذ الذي يأخذه الكثير من النقاد عليه هي الديباجة السجعية الصوتية التي تفقد البيت الشعري أكثر معانيه، ولكن تسويقيا هذه الديباجة هي التي نجحت. البعض يهاجم البرنامج ويتهمه باشاعته للعصبية القبلية، والتحيز القطري على حساب الإبداع الشعري، ولكن في الحقيقة هذا حاصل في كل مجلات الإبداع. انظر إلى كرة القدم على سبيل المثال، هل لأن منتخب آخر يلعب أفضل من منتخبنا سنشجعه؟ لا أعتقد، والبرنامج لم يضرب أحدا على يديه حتى يرسل “مسجات” ليصوت. البرنامج أغراهم بالتصويت وهم اختاروا أن يصوتوا بمحض ارادتهم. في المحصلة سوق البرنامج الشعر النبطي وجعل الناس تتحدث عنه وتبحث فيه، وسوق لكثير من الشعراء وجعلهم نجوما مشهورين ومعروفين، وسوق لكثير من المعاني العربية والبدوية الأصيلة. وفي مقابل ذلك سوق للعاصمة أبوظبي كونها راعية البرنامج، وجعلها علامة بارزة في الثقافة العربية. ويطرح السؤا الكبير: هل يمكن تسويق الفعاليات الثقافية التي تشتكي معنا في السلطنة من قلة الحضور والتمويل؟ نعم، يمكن لو سوقت بالشكل الصحيح. إن كنت تريد مخرجا حقيقيا، فيجب أن تضع ما يكافيء المخرجات المنشودة، فالفعاليات الثقافية معنا تعاني مشكلة في التنظيم قبل التسويق. فالمؤسسات الثقافية تعمل بشكل منفصل، ويختفي التنسيق فيما بينها. أعتقد أن أولى خطوات التسويق الصحيح هو وضع كل المؤسسات الثقافية تحت شعار ثقافي واحد “هوية تسويقية واحدة” تتعاون فيه كل المؤسسات لخدمة هذا الشعار وتسويق الفعاليات من خلاله. بعدها يمكن أن تأتي خطوات التسويق الأخرى. وهذا كان واضح من خلال “مسقط عاصمة الثقافة العربية” فكل الفعاليات كانت تحت “شعار تسويقي واحد” مكن من تسويق الفعاليات بشكل أفضل. قد يتهجم البعض على هذه الفكرة، ويعتبرها فكرة برجوازية عفنة متخيل أننا بالتسويق نعامل الشعر معاملة الطماطم. ولكن الحقيقة أن هذه النظرة هي الواقعية والتي يمكن أن تعيد لشعر ولثقافة بشكل عام شيئا من مكانته. وهل كان الشعر العربي في ذروته وازدهاره إلا قائما عليها في بلاط الخلفاء ودواوين الأمراء؟!! ومثال على ذلك بحث نشر في السنة الماضية عن مسرح بريطاني كان يعرض مسرحيات كلاسيكية لشكسبير، ولكن المسرح أغرق بالديون وبقلة الزوار والذين يعتبرون زبائن في هذا المقام. فما كان من القائمين عليه إلا الذهاب بهذه المشكلة إلى شركة متخصصة في التسويق. وقبل كل شيء قامت هذه الشركة بدراسة السوق، ووجدت أن هناك طلبا على هذا النوع من المسرحيات عند شريحة معينة من الجمهور. استهدفت تلك الشريحة المحتملة، وأوصلت رسالة المسرح لها، ثم شكلت قاعدة بيانات لعملائها، وعملت على توفير خدمات اضافية ترضيهم. بعدها بفترة وجيزة عاد الربح إلى المسرح وحقق نتائج مالية باهرة، لأن التسويق حل المشكلة. ختاما بكل ثقة يمكن القول: أعطني تسويقا.. أعطيك شعبا مثقفا.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *