alamah-logo
ديسمبر 18

سيماهم في مشترياتهم

تشتعل نار الأسعار، ولا تطفئها تفسيرات الاقتصاديين ولا تبريرات الحكوميين ولا شكوى المستهلكين. وفي المقابل نرى أعداد المتسوقين في ازدياد، ورواد المحلات التجارية في ارتفاع ونمو. فلماذا يستمر الناس في الشراء على الرغم من ارتفاع الأسعار؟!!
ويطل علينا مصطلح “الثقافة الاستهلاكية” ليبرر لنا أسباب هذا النمو في الشراء والاقتناء دون تفسير علمي أو نفسي حقيقي. ويزعم بعض الكتاب أن هذه الثقافة وفدت إلينا من عالم الماديات الجديد المتلخص في العولمة التجارية والتسويقية. وبهكذا تصور يكون التسويق هو كبش الفداء الذي يضحى به، فالثقافة الاستهلاكية قفص يسجن فيه التسويق بدون محاكمة.
ولتقريب وجهة النظر التي تطرح هنا نتسائل كمستهلكين عاديين، لماذا نشتري الطعام والملابس والعطور؟ لو كان لتلبية الحاجة العملية نفسها لكان الأمر أكثر بساطة ويسرا. فإن كان شراءنا الطعام لدرء الجوع فلماذا لا نشتري طعاما واحدا، فنأكل خبزا كل يوم، فهو وجبة غذائية جيدة، وتفي بالغرض. ولكننا نأكل أصنافا مختلفة من الطعام في اليوم الواحد بل في الوجبة الواحدة. وإن كان القصد من الملابس الستر فنوع واحد وشكل ثابت يكفي. المسألة ليست في تلبية الجانب العملي من طلب المنتج، الحقيقة أننا نشتري لأننا نحتاج إلى أن نستهلك ولأننا نجد أنفسنا في المنتجات التي نشتريها.
قل لي ماذا تشتري.. أقل لك من أنت، فمثلا لو أحضرنا مجموعة منتجات: عطر دهن عود، مسبحة، نقال نوكيا، نظارة قراءة، سيارة برادو دفع رباعي، كتاب رياض الصالحين، فإن هذا الشخص من المحتمل جدا أن يكون مدير مدرسة متقاعد. وفي المقابل: عطر بوس، نظارة بوليس، بنطلون جينز لي كوبر، قهوة ستاربكس، نقال اي-فون، سيارة رياضية، فمن المحتمل جدا أن يكون هذا الشخص مهندس اتصالات.
وأدخل إلى محلات البيع الكبيرة، وانظر في عربات المتسوقين، منها تستطيع تخمين عدد أفراد الأسرة، ونمط معيشتهم، وهواياتهم، وحتى توجهاتهم.
إذا فمعظم المنتجات التي نشتريها ترتبط ارتباط كليا أو جزئيا بشخصياتنا وتعبر عنها بطريقة أو بأخرى. ليس المسألة ثقافة استهلاكية مثلما يصفها البعض، فقد نشتري أنا وأنت “دشداشة” بنفس السعر، ولكن الفرق في اللون والملمس والتصميم، هذه الفروقات تعبر عن شخصياتنا.
ولنتخيل العالم كله بذات الطعم وذات اللون وذات الرائحة.. كم ستكون الحياة مملة!! وتخيل كذلك العالم بدون تسويق ولا إعلانات، فحين تمضي لشراء علبة “شامبو” وفي حياتك لم تعرف شيئا عن هذا المنتج، فكيف ستشتري؟ ستجد نفسك أمام أسماء وأشكال مختلفة ولن تصل لقرار شراء، إذا فالمستهلك يحتاج للتسويق ولإعلانات ليميز بين هذه المنتجات والعلامات ليجد نفسه في البضائع والخدمات التي يشتريها.
ثم من قال أن الرأسمالية الجديدة هي التي جلبت ثقافة التسوق غير المبرر؟؟!! عرفت الدكتور تيري لسنتين في جامعة جرفث باستراليا الرأسمالية، دكتور في التسويق وله أبحاث ودراسات أكاديمية في الجامعات ومهنية في سوق العمل، وحتى الآن لا يمتلك تيري هاتف نقال لأنه يرفض أن يخرب الهاتف النقال جدوله وحياته.
في المقابل ستجد فلاحا صينيا في دولة ومجتمع اشتراكي يعود من العمل يحمل حزمة خضروات بيد، والهاتف النقال بيد أخرى يهاتف كل الذين يعرفهم ومن دون سبب حقيقي غير السلام عليهم.
وقبل أيام قليلة مضت كنت اتابع أحد برامج قناة الجزيرة الوثائقية عن هافانا عاصمة كوبا، وقد ذكر التقرير أن الناس تتهافت على اقتناء البضائع الاستهلاكية التي كانت إلى وقت قريب ممنوعة في كوبا، وقد ضرب التقرير مثالا على مزيل رائحة العرق، الذي تهافت الكوبيين على شراءه لأنهم حرموا منه سنينا، هل للعولمة دور هنا أيضا أم أن الناس ترغب في الاقتناء دائما.
ويشكل المستهلكون لمنتج معين أو علامة تجارية معينة مجتمعا خاصا بهم على الرغم من اختلافهم جغرافيا واجتماعيا وأيدلوجيا، ولكن هناك قاسم مشترك يجمعهم وهو انتمائهم واستهلاكهم لنفس المنتج أو العلامة التجارية. وأعرف جميعة أو تجمع في السلطنة لمقتني سيارات “بورش” الرياضية، فمن المحتمل أن هؤلاء يتقاسمون صفات مشتركة في طريقة الاستهلاك على أقل تقدير. وتوفر الإنترنت اليوم مساحة كبيرة لهذه المجتمعات، فتجد مثلا مواقع لعشاق المنتجات التقنية، يعرضون الجديد دائما، ويقيمون كل الأجهزة ويناقشون أصغر التفاصيل عن التكنلوجيا التي يستهلكونها. وقس عليها باقي المنتجات والخدمات.
لن يتوقف الناس عن الإقتناء والشراء ما دامت لديهم قدرة مالية مرتبطة بقوانين العرض والطلب. ومن الطبيعي أن تكون الأولويات في المقام الأول ثم يأتي الترف والترفيه في المقام الثاني. ولكن حتى الترف لبعض المستهلكين يعتبر من الأولويات لمستهلكين آخرين.
لو دققتم النظر كثيرا لاكتشفت أن المنتجات التي تشترونها هي مرآة تعكس صورتكم، فانظروا ماذا تشترون.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *