alamah-logo
ديسمبر 18

صناعة العلامة التجارية

 

[Brands.jpg]

قف وانظر لما حولك من أدوات وأشياء، السيارة التي تركبها، معجون الأسنان الذي تستخدمه، الحذاء الذي تلبسه، وحتى الماء الذي تشربه كلها تشترك في حملها لعلامات تجارية تلتصق بحياتنا وتغلفها من كل جانب.
بعد بحث عن ترجمة لكلمة ” Brand ” في عالم التسويق لمقابلتها في اللغة العربية كانت النتيجة هي “العلامة التجارية” أو “الهوية التجارية”، ولكن أعتقد بأن هذه الترجمة يشوبها بعض القصور.
على كل حال في هذا المقام سنستخدم هذه الترجمة بعيدا عن اشكالياتها اللغوية لنقترب أكثر من دلالاتها التسويقية. يقول أهل التسويق أن “العلامة التجارية” أو “الهوية التجارية” هي الاسم أو الصفة أو الرمز أو التصميم أو مجموع كل هذه الأشياء التي تهدف لتعريف سلعة أو خدمة معينة بغرض تمييزيها عن غيرها من منافسيها. وفي مجتمعنا العماني وعدد من مجتمعات المنطقة العربية يعرف عامة الناس العلامة التجارية بكلمة “أصلي” أو “ماركة” وهم هنا يقصدون أنها علامة تجارية معروفة وموثوقة.
وقد يعتقد البعض خطأ أن العلامة التجارية هي الشعار، إن تصميم شعار جيد دون الأخذ بكافة مكونات العلامة التجارية هو وضع طلاء للشفاه على “غريلا” كما يسخر أحد مدراء شركة لاندر العالمية للتسويق.
ولتقريب الصورة أكثر سنتسائل سؤال بسيطا ومنطقيا، لماذا نشتري منتجات بعينها دون غيرها؟ ليس السعر هو المحدد لهذا الاختيار في أغلب الأحيان، بل هو قيمة هذا المنتج لدى المستهلك. الأمر لا يتعلق بكم من النقود لديك، بل ماذا يعني لك هذا المنتج وما هي أهميته بالنسبة لك أنت شخصيا، وعن كم من النقود والبدائل تستطيع أن تتخلى لكي تقتنيه. فقد تجد شاعرا دخله المادي متدني، يشتري قلم باركر “Parker ” بأربعين ريالا، وفي الوقت نفسه ستجد محاسبا في شركة عالمية يستخدم قلم عادي قيمته نصف ريال. إن راتب المحاسب هنا أكثر بكثير من الشاعر، ولكن لا يعني له القلم أي شيء بخلاف تنفيذ مهمة كتابة المعاملات المالية، ولكن هناك علاقة حميمة بين الشاعر والقلم تجعله يتخلى عن 40 ريالا تعني له أكثر بكثير مما تعني للمحاسب. ولذلك فالشاعر سيسعى لاقتناء قلم ذو سمعة معروفة وأداء مميز ومضمون كقلم باركر. ولكن كيف يعرف المستهلك المنتجات ذات الجودة العالية والأداء العالي؟ هنا تأتي الحاجة لوجود علامة تجارية يعرفها الزبون مسبقا قبل عملية الشراء.
وهكذا فالعلامة التجارية هي اتفاقية بين الشركة والزبون، تتعهد فيها الشركة بالإيفاء بالوعود والأداء التي عرفت به هذه الشركة من خلال منتجاتها أو خدماتها. ولذلك تنظر الشركات للهوية التجارية كأصل من أصول الشركة “Asset ” وفي المقابل فهي تنتظر منها تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: الحصول على أكبر عدد من حصص السوق، زيادة الولاء للمنتج من قبل الجمهور، والحصول على قيمة فرق العائد من المنتج ذو العلامة التجارية مقارنة مع المنتج العادي الرخيص الذي لا تميزه علامة تجارية.
ويختار الزبائن علاماتهم التجارية لأسباب متعددة اقتصادية واجتماعية وبيئية وسياسية من الشركات التي تنتجتها. فقد لا يكون السعر والجودة محدد للاختيار، فإسرائيل تنتج العديد من البضائع عالية الجودة بأسعار جيدة، ولكنها لا تلقى رواجا في الدول العربية لأسباب سياسية ودينية تجعل المستهلك العربي ينفر من هذه العلامة التجارية. ومثال آخر، كنت أستخدم عطرا لعلامة تجارية معينة، أكتشفت لاحقا أن هذه الشركة هي شركة سجار أصلا وتنتج السجار تحت نفس الإسم فأقلعت عن استخدامه. المنتج ممتاز، وأنا مقتنع بأدائه وسعره، ولكن معلومات اضافية عرفتها عن المنتج أثرت على صورته الذهنية سلبا لدي كمستهلك.
ومن أشهر النظريات الأكاديمية في علم التسويق هي نظرية عدالة العلامة التجارية ” Brand Equity ” التي وضع أسسها عملاق التسويق كيفن أكير، فمعرفة العلامة التجارية تنقسم إلى أولا: وعي الجمهورالمستهدف بالعلامة التجارية ومعرفتهم باسمها أو دلالاتها: ، ثانيا: صورة العلامة التجارية في ذهن الجمهور المستهدف. وتنبثق من هاذين الشقين المهمين عناصر أخرى تكون العلامة التجارية.
وتعتمد العلامة التجارية على وسائل الإعلام والإتصال التقليدية في إيصال رسالتها وبناء هوية تجارية قوية ثم تثبيتها في أذهان الجمهور المستهدف، كالتيلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات واللوحات الإعلانية. كما إنها مؤخرا استخدمت وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت والهاتف النقال لإيصال هذه الرسالة. فحين ينتقى الزبون عادة بضاعته، فأنه يذهب للمنتج المعروف لديه مسبقا والمخزن في ذاكرته، وغالبا ما يكون على شكل علامة تجارية ترسخت في ذهنه عن طريق وسائل الاتصال.
بعض الشركات تستخدم استراتيجية باهضة الثمن ولكنها أكيدة الفعالية ومناسبة لذلك النوع من المنتجات التي تسوقها، وهي بناء الهوية التجارية للجمهور عن طريق تجربتهم للمنتج. فشركة أبل ” Apple ” للإلكترونيات والبرمجيات أنشأت 100 قاعة عرض بإمكان الجمهور من خلالها تجربة منتجات الشركة.
هاورد سشيلتز صاحب سلسلة مقاهي ستاربكس العالمية، لديه كلمة شهيرة ” المنتج يعني التجربة” فهو يرى أن الناس لا تذهب لستاربكس حتى تشرب قهوة فحسب، بل تذهب للاستراخاء، والاستمتاع بالجو المحيط، وحتى الموسيقى هناك، والخدمة المتميزة التي يقدمها العاملون كل ذلك يصنع العلامة التجارية لستاربكس وليست القهوة فحسب. وهكذا احتلت ستاربكس مكانة في عقول زبائنها على أنها مكان يجمع الناس للاستمتاع بالحديث مع بعضهم بصحبة فنجان قهوة. وهكذا نرى جليا أن الهوية التجارية صارت أقل ارتباطا بالمنتج الحقيقي، وأكثر قربا من علاقات المستهلكين بالمنتج. ولذلك فالعلاقة بين العلامات التجارية والمستهلكين اصبحت أكثر تعقيدا هذه الأيام لعل أحد اسبابها المنافسة الشديدة من قبل عدد كبير من العلامات التجارية في نفس الصنف من المنتج، وكذلك أن المستهلكين أصبح لديهم دراية أكثر بالعلامات التجارية وأصولها وحقيقة نشأتها ورسائلها.
إن آخر أحلام مدراء الهويات التجارية أو العلامات التجارية هي وصول المستهلك إلى حالة ولاء كامل للمنتج. فحين يتخيل المستهلك نوعا معينا من المنتجات تقفز علامتهم التجارية إلى ذهنه مباشرة، ويقتنيها دائما ويخبر عنها أصدقائه ويدافع عنها إن تعرض أحد لها.
وليست العلامة التجارية مقتصرة على الجمهور الخارجي للشركة – الزبائن- وإنما الجمهور الداخلي أيضا وهم الموظفين، فالعلامة التجارية إن كانت قوية وفعالة فإنها تشعر الموظفين بانتماء أكبر إلى مؤسستهم وتحفزهم لبذل المزيد. والعلامة التجارية مهمة لجميع الشركات والمنظمات مهما صغر حجمها لأنها تعني بواقع الشركة ومستقبلها.
والعلامة التجارية استراتيجية تسويقية ناجحة لكل المنظمات حتى الغير ربحية، فالأمم المتحدة واليونسكو وغيرها منظمات غير ربحية ولكن لها هوية تجارية. وحتى الأشخاص قد يكونوا هوية تجارية كما أسلفنا، فحين تشتري ديوانا لنزار قباني فأنت على ثقة أن تجد قصائد راقية، وحين تقول علي الحبسي فأنت تتوقع أداءا رياضيا متميزا.
وفي سلطنة عمان وبعد دخول الكثير من المشاريع الضخمة في قطاعات السياحة والاتصالات والخدمات، ظهرت قوة للعلامات التجارية، وبدأت الكثير من الشركات تبني علامات تجارية تنافس بها. ولكن نجد في أحيان كثيرة تشويش في فهم عدد من الشركات حتى الكبيرة لمفهوم العلامة التجارية أو الهوية التجارية وتختصرها في كثير من الأحيان في الشعار والألوان والأخبار الصحفية دون تأسيس حقيقي لها في كل تفاصيل الشركة.
أما المشاريع الصغيرة فللأسف تهمل العلامة التجارية ولا تحاول صنعها في مراحل نشأتها الأولى، فحين يعتقد أصحاب المشاريع الصغيرة أن العلامات التجارية حكر على الشركات الكبيرة فهم يرتكبون خطأ تسويقيا فادحا، فالمشاريع الصغيرة يجب أن تستفيد من صنع علامة تجارية بالتدريج. وإن كانت الآلية مختلفة هنا، ففي المشاريع الصغيرة يكون الاعتماد في صناعة العلامة التجارية قائم على صاحب العمل بشكل شخصي. فالطريقة التي يتعامل بها مع زبائنه، وإدارته لمشروعه، وترتيبه لخدماته وإيفائه بوعوده يجعله يصنع علامة تجارية تنمو شيئا فشيئا حتى تترسخ في أذهان زبائنه.
للعلامات التجارية سحر خفي ينظم العلاقة بين الإنسان والجماد، ولا يمكن بنائها بين يوم وليلة، بل هي حصيلة الكثير من التخطيط والإدارة والتسويق، وهي إلتزام في الوقت ذاته حين تكون العلامة التجارية الكف التي تحمل سمعة الشركة.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *