alamah-logo
المدونة
ديسمبر 08

مؤسسات ضيعت هويتها

تشرفت بالمشاركة في الملتقى الثاني للتصميم الذي نظمته دائرة العلاقات العامة والإعلام بجامعة السلطان قابوس في بداية شهر فبراير وقد كانت المشاركة من خلال أدرينالين. حضر الزميل بدر الهنائي الاجتماع التحضيري للملتقى، وقرر مع المنظمين مشاركة أدرينالين بورقة عنوانها: قراءة في العلامات التجارية العمانية، وأوكل إلي مهمة الحديث عن هذا الموضوع. بدر الهنائي وضعني في ورطة حقيقية، فماذا يمكن القول عن الهويات التجارية العمانية؟ فلا دراسات، ولا بحوث، ولا أرقام، ولا معلومات عن هذا الموضوع. فلا تزال قضايا الهويات التجارية حول العالم محل نقاش وتشكل، وفي عالمنا العربي لا تزال صناعة الهوية التجارية صناعة جديدة من حيث وضع القواعد والتنظير لها. ولأسبوعين متواصلين كنت أبحث عن المعلومات والمصادر الخاصة بالعلامات التجارية العمانية على شبكة الإنترنت ولكن لا فائدة. ثم بسطت الأمر وأمسكت الخيط من أوله، فالملتقى عن التصميم، وموضوع البحث هو الهويات التجارية العمانية وعلاقتها بالتصميم. فقمت باستبيان سريع، سألت مجموعة من الزملاء عن أهم العلامات التجارية العمانية. ثم استعنت بصديقنا “الفيس بوك” ووضعت هذه العلامات على صفحتي الشخصية مع حذف اسماء المؤسسات وترك شعار المؤسسة. طرحت سؤالا على المشاركين في الاستبيان: بماذا يوحي لك هذا التصميم؟ فكانت الإجابات موضوعا شيقا يستحق الدراسة.

من إنطباعات الناس خرجت ببعض الملاحظات العمانية عن علامات تجارية كبيرة في السوق العمانية، وهي ما ركزت عليه في الورقة التي عرضتها. فبعض المؤسسات الكبيرة وظفت شركات هوية تجارية عالمية أعدت دراسات مكلفة وأخذت الكثير من الوقت لتعطيهم “برزنتيشن” رصين يقلبونه في كل مكان عن الهوية التجارية يبدأ بنظرية تقول: الهوية التجارية هي الإسم أو الصفة أو الرمز أو التصميم أو مجموع كل هذه الأشياء التي تهدف لتعريف سلعة أو خدمة معينة بغرض تمييزيها عن غيرها من منافسيها. ووسط التنظير واختراع القصص والحكايات عن تصاميم وشعارات الهوية التي قد لا يفهمها جمهور العملاء تغيب الرسالة الحقيقية التي تريد المؤسسة إيصالها. ولتبسيط الفهم لا تسطيحه، الهوية هي بصمة تجسد المؤسسة أو المنتج أو الخدمة وهي خليط من الإعلانات، والإعلام، والعلاقات العامة، والمسؤولية اجتماعية. هي التي تحدد شخصية المؤسسة: كيف تتكلم؟ ما مظهرها؟ ما خصائصها. وحين نغوص في عمق الهوية التجارية نجد أنها وعد للعميل بمستوى معين من الخدمة. وهي مصدر للعلاقة العاطفية مع العملاء، تطبع شكل العلاقة مع تجربة العميل “Customer Experience”. فالمنتج يصنع في المصنع، ولكن العلامة التجارية تأتي بالثقة والعلاقة المتبادلة. ويمكن تقليد منتج، ولكن تبقى العلامة التجارية متفردة.

وعودة على استبيان الفيس بوك، وضعت شعار واحد من أكبر البنوك في السلطنة وحذفت اسم البنك، وكان السؤال بماذا يوحي لك هذا التصميم فأتت الإجابات متباينة: غالق عدسة كاميرا، إشارة تحذير، مروحة، فلوس، طاحونة، تداول، دوامة، دينامو، حركة أسهم، محاور، ولكن الأظرف من قال أن التصميم يذكره بشعار شركة ميستوبيشي. نلاحظ اختلافا في الاجابات، فبعض الإنطباعات ايجابية يفضلها البنك ويرغب في ظهورها، وفي الجانب الآخر كانت هناك انطباعات سلبية قد لا يحبذ هذا البنك أن تصل للجمهور. والمقصود الحقيقي من شعار هذا البنك هو نصلة الخنجر العماني. أما الشعار الثاني فكان لشركة نفط عمانية، فكانت الإجابات: حلبة عدو، مسار، ماء، نهر وأشجار، أمامك وادي، منحدر، شاطيء، طريق، أميال بدون توقف، بيئة، معك على طول الطريق،مهما تعددت المسارات فهناك من يؤمّن سيرك، شارع ورصيف. وفي المجمل كانت معظم الإجابات ايجابية. وربما كلها تسعد الشركة وتلقى محل ترحيب. ولا يستع المجال لذك كل العلامات التي وضعتها والتي لقت تجاوبا كبيرا للمشاركة، لأني أعتقد أن هذا الموضوع شيق لكثير من الناس ومستخدمي الإنترنت بشكل خاص. ومن هذا الاستبيان البسيط الغير موضوعي والأكاديمي بالشكل المطلوب استطعنا أن نستشف بعض الملاحظات من أهمها، تميز عدد محدود من العلامات التجارية العمانية. ولاحظنا غياب مفهوم العلامة التجارية عن الشركات الصغيرة وحتى المتوسطة، فعلى سبيل المثال لا توجد هوية تجارية لمعظم المقاهي في السلطنة على كثرتها، بين كل مقهى ومقهى هناك مقهى ولكنها كلها تحمل نفس اللوحة مقهى، مقهى، مقهى. مع أن التميز بسيط باختراع إسم جذاب ولون معين. أما العلامات التجارية العمانية الكبيرة فهناك تشابه غير منطقي في تصميم معظمهم، من حيث اختيارها لمنحيات أصبحت معروفة ومكررة، وألوان العلم التي تتكرر في كثير منها مما يجعلها متشابهة حد التطابق، وهذا يضعف من تميز الشعار.

إن السبب الحقيقي وراء ذهاب العملاء إلى ما لا يقصده مدراء العلامات التجارية هو عدم استفتاء العملاء في هذه الشعارات قبل نزولها إلى السوق، ومن المفترض أن يسأل الجمهور المستهدف، ليس كله ولكن على الأقل شريحة عشوائية يستقرأ منها ردات فعل الجمهور. كذلك هناك عدد محدود من وكالات الهوية التجارية في السلطنة، وجودتها لا تقارن أبدا بالمستويات العالمية. ويشكل العمانيون العاملون في هذا المجال نسبة ضئيلة جدا، مما يجعل النكهة العمانية غائبة في معظم الأحيان. وتمثل قنوات التواصل والإمكانيات اللوجستية حاجزا أمام الكثير من الأفكار الإبداعية في هذا المجال. كنت أتوقع من الورقة التي قدمتها في الجامعة أن أقدم بعض الاجابات، ولكنني اكتشفت أني طرحت مزيدا من التسائلات. ولكنها تسائلات تضعنا على الطريق الصحيح.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *