alamah-logo
المدونة
ديسمبر 19

وُلِدَ ليشتري

 

في عالم الأعمال تجد اللونين، الأبيض في تجارة اللبن، والأسود في تجارة السلاح، وبين هذا وذاك مساحة لا بأس بها من الرمادية. أعمال تقدم عليها الشركات ورجال الأعمال جاعلين الربح جوهر الأولويات، ويقابلهم في الجبهة الأخرى الأخلاقيون ومؤسسات العمل الإجتماعي. وفي دائرة الرمادية هذه مشاريع تجارية تستهدف شريحة يراها المسوقون مهمة ويجب استهدافها ويختلف الأخلاقيون معهم معتبرينها قاصرة وغير قادرة على التمييز. استهداف الأطفال تسويقيا قضية معاصرة لها جوانب عدة توسع من تدرج الرمادية. الشركات تعهد إلى المسوقيين بهذه المهمة لأنهم الأقدر عليها. وللمسوقين مبرراتهم في استهداف شريحة الأطفال بمنتجاتهم وإعلاناتهم. فمن وجهة نظرهم أن من الضروري معرفة مستهلك المنتج حتى يمكن ايصاله له بالشكل الصحيح. فاستهداف الجميع في منتجات تستخدمها شريحة معينة مضيعة للوقت والمال بالنسبة للشركة وتزعج المستهلك أيضا. وفي المنتجات التي يستهلكها الأطفال فمن الطبيعي استهدافهم بالتسويق والإعلانات بالدرجة الأولى. ويمثل الأطفال شريحة مستهلكة لا يمكن تجاوزها، وطبقا للبحث الذي قام به (ماك نيل) فقد قام الأطفال بشراء ما قيمته 6 مليار دولار في عام 1989 ، وتضاعف الرقم ليصل إلى 23 مليار في عام 1997، وأما في عام 2002 فقد وصل الرقم إلى 30 مليار دولار استهلكها اطفال دون سن الثانية عشر. وفي مقارنة سريعة نتسائل: كم كان مصروف الجيب لطفل قبل 20 سنة، وكم هو مصروفه اليوم؟ أطفال الأمس لم يكن في أحلامهم امتلاك هواتف نقالة، ولا بلايستيشن، ولا دمية تتكلم وتطلب غدائها حين تجوع!! ويرى المسوقون أن دموع الأطفال طلبات، وإن لم تلبى فهي تتحول لأوامر لا يمكن تجاهلها. وأعد الباحث (هورجان) دراسة في عام 2004 أكد فيها أن العائلات الأمريكية تصرف ما قيمته 75 بالمئة من دخلها على احتياجات الأطفال. وظهرت عدة دراسات في أوروبا وأمريكا زعمت أن الأسر اليوم تتمع بجو أكبر من الديمقراطية والتي تتيح للأطفال حرية أكثر في اختيار المنتجات التي يستهلكونها، بل يشارك الأطفال وأحيانا يقررون خيارات على مستوى الأسرة كلها، كالمطعم الذي سيتناولون فيه وجبة العشاء نهاية الأسبوع، ولون الصبغ لجدران غرفهم. والأكثر من ذلك أن هذه الشريحة الصغيرة بعمرها الكبيرة باستهلاكها لا تطلب منتجات وحسب، بل تطلب علامات تجارية محددة، وأطفال اليوم هم زبائن الغد. وهذه أحد أهم الأسباب الذي تجعل الشركات تسهدف الأطفال، بل ينتجون منتجات خاصة للأطفال حتى يوصلوا علامتهم التجارية ويرسخونها في ذهن الطفل، حتى يعلن ولائه منذ الطفولة وإلى أن يصبح مستهلكا مستقلا ماليا. وشركات مثل ماكدونالز العالمية تتبع هذه الاستراتيجية التسويقية من خلال عرض وجبات خاصة للإطفال وإعطائهم ألعابا طبع عليها شعار الشركة، وابتكار شخصيات كرتونية ومهرجين ليصلوا إلى صداقة بين علامتهم التجارية والطفل. كما أن العديد من الدراسات أثبتت أن الأطفال من أوائل المستخدمين للتقنيات الجديدة، فشريحة كبيرة من الأطفال تستخدم الإنترنت وتقنيات الألعاب الجديدة. فالأطفال يمثلمون 14 في المئة من نسبة مستخدمي الأنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا نلاحظ اتجاه العديد من الشركات لاستهداف الأطفال تسويقيا عبر مواقع الإنترنت. وفي الخندق المقابل تقف العديد من المؤسسات الاجتماعية والأخلاقية في مواجهة “شياطين التسويق” الذين تراهم يستهدفون شريحة الأطفال الغير قادرة على التمييز بين الجيد والضار. وترى هذه المؤسسات الاجتماعية أن أي عمل اقتصادي يكون في المجتمع يجب أن يتعرض للتدقيق والفحص تحت منظومة الأخلاق. فالربح ليس المعيار الصحيح لتقييم المشاريع التجارية فحسب، فالمخدرات تجارة مربحة جدا، ولكنها تدمر المجتمع وتسحق التنمية. وأولى القضايا التي يواجه بها الأخلاقيون المسوقين هي نظرة المسوقين للأطفال على أنهم بطاقات إئتمان تمشي على الأرض. وهذه النظرة المادية تدخل في نفس الطفل الكثير من العقد كالأنانية والعناد والترف المعيشي. وهناك مثال ظهر على الشاشات العربية يقرب هذه الفرضية، فأحدى شركات الدواجن خرجت بالإعلان التالي: أب يقود سيارته ليوصل إبنه إلى المدرسة، ثم تحدث الطفل بصوت حزين، وشفاه مرتجفه: أبي أنا لا أحب أمي، الأب: لماذا؟ لأنها لا تحضر لي (س) من الدجاج! انتهى الإعلان. ثم إن استهداف الأطفال لا يراعي المقدرة الشرائية للأسرة، فالطفل إن رأى منتجا وسط هالة من البهرجة سيطلبه دون أي سؤال عن ثمنه مما يكلف الأسرة دفع فاتورة ثقيلة قد لا تكون مستعدة لها، أو حرمان الطفل وكبت رغباته مما قد يسبب عقدة أخرى له. والإعلان هو أكثر الطرق التي يتسلل من خلالها المسوقون، وشركات المؤكولات السريعة ضربت بالأخلاقيات عرض الحائط وسوقت أطعمة هي سموم في حقيقتها لشريحة بريئة هي الأطفال. فطبقا للدراسة التي اجراها (لين جيثري وفرازاو) عام 2001 فقد ثبت أن تجارة المؤكولات السريعة هي ثاني أكبر صناعة تعلن في أمريكا، وفي المقابل فإن السنوات الأخيرة أوضحت أن عدد ضحايا سمنة الأطفال في تزايد كبير وكان سببها زيادة استهلاكهم من المؤكلات السريعة والمشروبات الغازية. فالعلاقة واضحة بين زيادة نسبة الإعلانات للمأكولات السريعة في السوق وزيادة نسبة السمنة لدى الأطفال في المجتمع. ويقترح المدافعون عن حقوق الطفل ضد عمليات التسويق التي تستدف الأطفال عدة قوانين يجب أن تطبق على الشركات والإعلانات. أولا يجيب أن تشير الشركات للإعلانات التجارية بكلمة “إعلان” حتى يميز الطفل أن هذه دعاية معينة وليست حقيقة راسخة. ثانيا يجب أن يبتعد المسوقون عن اللعب على المشاعر والأعراف الإجتماعية المقدسة، كالعلاقات الأسرية، والكلمات النابية وغيرها. وكما أن الشركات تعلن لاستقطاب الأطفال لمنتجاتهم، ففي المقابل يجب أن تعلن للأطفال عن مضار السمنة وغيرها من الأمراض الذي يسببها شره الإستهلاك. وأخيرا يجب أن تكون الإعلانات واضحة الشرح، وتحدد إمكانيات المنتج والعمر الذي يتناسب لاستهلاكه. وكما أن هناك أطراف أخرى يجب أن تتساعد للحفاظ على سلامة صحة الطفل الجسمانية والنفسية كالحكومات والأسر. إذا لكل فريق أسباب ومسوغات، ولا تزال الرمادية تغطي أجزاءا من المشهد، ولكن لكل قضية سلبياتها وإيجابياتها. فالشركات تقوم بخدمة للزبائن وتحصل في المقابل على أجر، تبتكر الطرق والقنوات لإيصال المنتج بفعالية أكبر وربحية زائدة، ولكنها قد تدخل في بعض الأحيان إلى خط لا ترضى عنه المؤسسات الإجتماعية لأنه يضر بالصالح العام للمجتمع.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *